أســماك ترصـد الـزلازل؟!

    شاطر
    avatar
    geo
    جيو صاعد
    جيو صاعد

    ذكر عدد الرسائل : 25
    العمر : 30
    Emploi : special
    university : Azhar
    تاريخ التسجيل : 22/06/2009

    أســماك ترصـد الـزلازل؟!

    مُساهمة من طرف geo في 2009-06-24, 6:50 am

    قالالله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ)الحج: 18، إنه ذلك المشهد المهيب الذي تقف فيه العوالم كلها علويها وسفليها ساجدة لله تعالى، خاضعة له، مسبحة بحمده، منقادة إليه سبحانه ويقف الإنسان، هذا المخلوق الضعيف شاذٌّا في ناموس الكون العظيم كيف لا يسجد العبد لربه وقد سبح لله الحجر والمدر والرمال، والدواب، والشجر، والليل والنهار، والظلمات والأنوار، والجنة والنار، والزمان والمكان، والعنصر والأركان، والأرواح والأجسام؟؟(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
    وحادثة في (سان فرناندو) حيث اطّلع المحللون على تقرير سبق الكارثة هناك وفيه: (جيوش من الجرذان تملأ شوراع بلدة (سان فرناندو) ـ بالقرب من لوس أنجلوس الأمريكية ـ مع أن الناس كانوا يفترضون أنّ بلدتهم تخلو تمامًا من الجرذان وفي اليوم التالي تصيب هزة عنيفة وادي (سان فرناندو) وتؤدي إلى كارثة بيئية. .
    وتتجلى الحكمة والقدرة العظيمة ـ لكن بوضوح أكثر وبصورة مدهشة لا يدرك كنهها العقل البشري القاصر ـ في سلوك الصغار فيما بعد؛ ذلك أن هذه الصغار ـ بعد أن تخرج من البيض ـ لا تملك أي وسيلة لتعرف بها أي شيء من حولها سوى أن تعود أدراجها، وتسلك الطريق نفسه الذي جاءت منه أمهاتها، فتقاوم في سبيل ذلك التيارات القوية والأمواج العاتية المتلاطمة وتقطع كل هذه المسافات الطويلة التي تعجز عن تحملها أجسامها الصغيرة، ثم تتوزع إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة في موطنها الأصلي، ولهذا يظل كل جزء من الماء آهلاً بثعابين البحار!!.
    أما الفراشة فمهما حملتها الريح فإنها لا تلبث أن ترسل إشارة خفية يستجيب لها باقي الأفراد على مسافة بعيدة، وتصل الرسالة مهما أحدثت من روائح في سبيل تضليلها.
    وكما تختلف طريقة التفاهم والتخاطب عند هذه الكائنات تختلف مواقع السمع والإحساس فيها كذلك، تبعًا لأنواعها وطوائفها، فقد توجد في أماكن غريبة من الجسم كأن تكون في رِجْلِ الحشرة أو في منطقة البطن منها، وهكذا فالجندبة الأمريكية (katy did) تحك ساقيها أو جناحيها معًا فيسمع صريرها الحاد في الليلة الساكنة على مسافة نصف ميل، وذلك عن طريق هزّها لكمية هائلة من الهواء من أجل إخراج ذلك الصوت القوي!
    من جهة أخرى تستخدم بعض الحشرات التي تنشط ليلاً وسائل أخرى عن طريق إشارات ضوئية ذات تردد معين ـ كما هو الحال في بعض الحشرات المضيئة ـ وهذه الإشارات ذات دلالة يفهمها أفراد النوع نفسه..
    أما الخفاش فهو جندي الظلام الذي ينشط في الليل وينام في النهار ولا يسكن إلا الكهوف والأقبية المظلمة؛ إذ إنه ضعيف البصر، وسريع الطيران، ومع ذلك لا يصطدم بأي عائق أمامه، سواءً أكان جدارًا أو عمودًا أو غيره، ونتيجة للتجارب والملاحظات فقد وجد أن هذا الحيوان يُصدر أصواتًا على شكل نبضاتٍ ذات ذبذبات عالية تقارب مائة ألف ذبذبة في الثانية! وهذه الأصوات فوق مستوى سمع الإنسان.
    وهذه النبضات الصوتية ـ التي يرسلها الوطواط (الخفاش) ـ إذا اصطدمت بشيء عاد رجعها إلى سمعه فأدرك أن أمامه ما يصطدم به مع الشعور بمقدار سطحه، فينعطف عنه بسرعة ولا يصطدم به.
    إن قدرة الله العليم الحكيم تتجلّى بوضوح من خلال النظر في هذه السلوكيات (الغريزية) ولا تزال ـ حتى الآن ـ تقدّم لها الفرضيات العلمية المبنية على المشاهدة والتجربة في سبيل العثور على تفسير علمي دقيق يحكم هذه الغرائز التي أودعها الخالق ـ جلت قدرته ـ في هذه الكائنات وتتوارثها جيلاً بعد جيل!
    وهذا ما يدعونا حقٌّا إلى التأمل في آثار قدرة الله العظيم من حولنا، عبر النظر في مخلوقاته وآياته المسطورة في صفحات هذا الكون الفسيح، وعندها ندرك الحكمة من أمر الله ـ تعالى ـ لعباده بمتابعة النظر، والتفكر في مخلوقاته وآياته، وأخذ العبرة من ذلك، قال ـ سبحانه وتعالى: (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِى الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(5).
    ولهذا تجد كثيرًا من العلماء الماديين المتخصصين في دراسة علوم الحياة والطبيعة يصرّحون بإيمانهم العميق بالله العظيم بعد أن يروا آثار رحمته وعلمه وقدرته ماثلة أمامهم.
    يقول (ميريت ستانلي كونجدن) - وهو عالم طبيعة حاصل على الدكتوراه من جامعة بورتون: (إن جميع ما في الكون يشهد على وجود الله - سبحانه وتعالى - ويدلّ على قدرته وعظمته، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة (الاستدلالية)، فإننا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته، ذلك هو الله الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، وليست العلوم إلا دراسة خلق الله وآثار قدرته)، وصدق الله القائل: (سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ قال [b]الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ)الحج: 18، إنه ذلك المشهد المهيب الذي تقف فيه العوالم كلها علويها وسفليها ساجدة لله تعالى، خاضعة له، مسبحة بحمده، منقادة إليه سبحانه ويقف الإنسان، هذا المخلوق الضعيف شاذٌّا في ناموس الكون العظيم كيف لا يسجد العبد لربه وقد سبح لله الحجر والمدر والرمال، والدواب، والشجر، والليل والنهار، والظلمات والأنوار، والجنة والنار، والزمان والمكان، والعنصر والأركان، والأرواح والأجسام؟؟(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
    ولله في كل مخلوقاته دليل على وحدانيته وكمالاته سبحانه ومن ذلك التأمل في سلوك الحيوانات وغرائزها العجيبة التي تبعث على الدهشة والانبهار، وتوقظ العقل من غفلته ليتأمل قدرة الله ـ تعالى ـ في هذا العالم البديع ومما يبعث على الدهشة أن يجد الباحث انحرافًا خطيرًا في التفسيرات المادية لهذه الغرائز الباهرة التي أودعها الله تعالى في هذه المخلوقات المسبحة له، الساجدة بين يديه، إلا أن يكون تفسيرًا ملحدًا يغطي حقائق الوجود، ويأبى الخضوع لباعث الفطرة، وشاهد الكون العظيم.
    وفي هذا المقال نتجوّل في سياحة إيمانية داخل هذا العالم البديع لنستخرج دلائل الوحدانية المشرقة في سلوك هذه الكائنات وغرائزها العجيبة.
    في مساء السادس من أيار لعام 1976م وفي مدينة (فريولي) الإيطالية ارتفعت أصوات الحيوانات فجأة ودونما سبب ظاهر؛ الكلاب تنبح وتجري هنا وهناك، القطط مذعورة، الفئران تملأ الأزقة، الجياد والأبقار هائجة وعصبية، ويحاول أكثرها أن يسحب أربطته الطيور تسعى ضاربة بأجنحتها ومطلقة صرخات تبدي منها الفزع، وكأن شيئًا ما يستثير هذه الحيوانات ويدفعها لهذا التصرف العجيب لم يصدق سكان المنطقة ما رأوه بأعينهم، وصار ذلك محور حديثهم تلك الليلة وتمضي الساعات بطيئة، وما إن حلّت الساعة التاسعة من تلك الليلة حتى شعر السكان بالأرض تميد من تحت أقدامهم، وما هي إلا ثوان معدودات حتى ضرب زلزال عظيم المنطقة مخلّفًا وراءه ما يزيد على ألف قتيل من السكان !.
    وحادثة أخرى مماثلة في (سان فرناندو) حيث اطّلع المحللون على تقرير سبق الكارثة هناك وفيه: (جيوش من الجرذان تملأ شوراع بلدة (سان فرناندو) ـ بالقرب من لوس أنجلوس الأمريكية ـ مع أن الناس كانوا يفترضون أنّ بلدتهم تخلو تمامًا من الجرذان وفي اليوم التالي تصيب هزة عنيفة وادي (سان فرناندو) وتؤدي إلى كارثة بيئية.

    لقد أثارت هذه الحوادث وأمثالها اهتمام ودراسة عدد من العلماء، خاصة وأنها تتكرر بين فترة وأخرى، لقد أصبح الأمر جليٌّا واضحًا في حتمية وجود غرائز خفية للحيوانات تزوّدها بنوع استشعار لا يدركه البشر بحواسهم المحدودة وأجهزتهم المعقدة الحديثة.
    من أولئك العلماء الذي اهتموا بهذه الظاهرة (هلموت تريبوش) الأستاذ بجامعة برلين الذي قام باستثارة الاهتمام بهذا الموضوع قديمًا ـ في عام 1976م ـ وأخذ يجمع ما تناثر هنا وهناك من أحداث مماثلة وقعت عبر التاريخ، وما سبق بعض الكوارث الزلزالية ـ أمثال زلزال (هيليس) اليونانية، وزلزال (لشبونة) المدمّر ـ من ردود فعل (غريزية) للحيوانات تشبه إلى حد كبير ما حدث قبيل كوارث معاصرة ومماثلة كزلزال مصر الأخير ـ 1992م ـ عندما اضطربت الحيوانات في حديقة الحيوان بالجيزة قبل عشرين دقيقة من الزلزال المدمّر، وما شابه تلك الحالات في (سان فرانسيسكو) وغيرها.
    بعد ذلك بقليل ـ وبالتحديد في عام 1977م ـ عقد في الولايات المتحدة الأمريكية مؤتمر علمي اشترك فيه عدد من العلماء من مختلف التخصصات وأهمها علوم الأرض والحياة، لدراسة إمكانية استخدام الحشرات والحيوانات في التنبؤ عن قرب وقوع الزلازل! وقد تمّ رصد الحالات التي سجّلت أثناء المتابعة فلم يحدث أن سجلت حالة واحدة لم يصدق فيها إنذار تلك الحيوانات عبر تصرفها الملحوظ قبل الكارثة، وبالفعل أقيمت أول مستعمرة من نوعها في التاريخ تضم العديد من الحيوانات والحشرات، والهدف الذي أنشئت من أجله هو دراسة تصرف هذه الحيوانات وردود أفعالها كإشارات لكوارث قريبة قادمة !
    لقد بات اليابانيون يدركون ـ بعد تعرّض اليابان للعديد من الهزات الأرضية ـ أن تصرف (سمك الزينة) يفوق في هذا المجال أكثر آلات الرصد دقة، فقبل وقوع الزلزال بساعات يصاب هذا النوع من الأسماك بحالات غريبة من اضطراب في السلوك وذعر، ثم تأخذ بالدوران والاندفاع داخل أحواضها اندفاعًا جنونيٌّا !!
    وكلما قرأت عن هذه الحقائق العلمية الواضحة وغيرها أظل أتفكر مليٌّا فيما سطرته كتب سلفنا الصالح حول هذا الأمر أو رووه من أحاديث ومشاهدات، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري ـ مثلاً ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ حين قالت: (دخلَتْ عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم! فكذّبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل عليّ النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله، إن عجوزين....، وذكرت له الخبر، فقال: (صدقتا، إنهم يعذّبون عذابًا تسمعه البهائم كلها)، فما رأيته بعدُ في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر(1).
    وكم قرأنا عن حوادث عجيبة تحكي جفول بعض الحيوانات عندما تجاوز بعض القبور التي يعذب أصحابها، تمامًا كما كان يشاهد من تصرفاتها قبل وقوع مثل هذه الكوارث البيئية.
    وفي السياق ذاته تطالعنا حادثة نادرة من أعجب ما كتب في هذا الباب، وتحكى قصة اضطراب فرس عربي أصيل كان يملكه الصحابي الجليل أسيد بن الحضير ـ رضي الله عنه ـ حدث ذلك ذات ليلة صافية من ليالي المدينة النبوية ـ حرسها الله ـ لقد كان أسيد ـ رضي الله عنه ـ في تلك الليلة يقرأ القرآن خارج بيته ـ كعادته ـ بصوت ندي خاشع، وكان بقربه ابنه الصغير يحيى نائمًا، لكن العجيب في تلك الليلة بالذات أنه لاحظ تصرفًا عجيبًا للفرس، إذ كلما قرأ القرآن جالت فرسه وتحركت واضطربت، فإذا سكت سكنت، ثم إذا أعاد القراءة اضطربت أشد من الأولى، وهكذا حتى تكرر ذلك منه ومن الفرس ثلاث مرات، يقول ـ رضي الله عنه: فانصرفت عن القراءة مشفقًا على ابني يحيى أن تصيبه الفرس، فلما قرّبته مني رفعت رأسي إلى السماء فإذا أنا بمثل الظُّلَّة البيضاء فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى توارت عني، لقد اكتشف أن اقتراب تلك الظُّلة البيضاء بلا شك كان السبب في اضطراب الفرس وتحركها، فلما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما حدث له البارحة قال له ـ صلى الله عليه وسلم: (أو تـدري ما ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت لصوتك) الحديث(2).
    بل لقد صرّح ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر أن لدى بعض الحيوانات مقدرة خارقة على رؤية ما لا يستطيع البشر رؤيته بحواسهم حيث قال ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم أصوات الديكة فسلوا الله من فضله فإنها رأت مَلَكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوّذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا)(3).
    إنه الله القدير الذي تظهر آثار قدرته، ومعالم حكمته، ومظاهر رحمته من حولنا، إنه الله الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل هو الذي سخره لهذا المخلوق البشري الذي كرمه من بين سائر المخلوقات ، أفليس هذا الجواب المريح إذن أَوْلَى وأحرى بهذا الإنسان الجاحد؟ إن ذلك هو ما توصل إليه كثير من العلماء المتخصصين في سلوكيات الكائنات الحية، ممن آمنوا بالله العظيم ـ سبحانه ـ من خلال هذا النظر المجرد الذي يوقد شعلة الإيمان ويحرك كوامن الفطرة في نفوسهم، إذا كان هذا الإيمان العميق بالله ـ سبحانه ـ يتولد في أعماق هؤلاء العلماء الماديين من جرّاء تتبع السلوك العجيب لهذا الطائر الصغير، بل من خلال دراسة سلوك واحد متواضع من سلوكياته ألا وهو طريقته في بناء عشه التي لا تكاد تختلف من طائر إلى آخر من النوع ذاته، بل قد يؤخذ هذا الطائر صغيرًا من عشه، لا يدرك شيئًا مما يحيط به، ثم عندما يعزل تمامًا عن كل المؤثرات البيئية المحيطة ويكبر يصنع لنفسه عشٌّا على نمط نوعه تمامًا!! فأي قدرة عليمة تكمن خلف تلك الغرائز الواعية؟! إذا كان هذا الإيمان العميق بالله الخالق العليم ـ سبحانه ـ يشرق في قلوبنا من خلال التأمل في هذا السلوك العجيب من هذا الطائر الصغير، فدعونا إذن نقوم بجولة إيمانية أكثر إثارة، نتأمل فيها آثار قدرة ربنا ـ سبحانه ـ عبر النظر في سلوكيات الكائنات الحية من حولنا، عسى أن نتأدب معه ونحن نفسر هذه الغرائز الحيوانية الواعية مرة أخرى.
    لقد زوّد الخالق الحكيم ـ سبحانه ـ هذه الكائنات بمثل تلك الغرائز بطريقة تبعث على الدهشة والإعجاب معًا، حتى إنك لتنظر في تصرّف العنكبوت مثلاً وهو يقيم عملاً هندسيٌّا يحار العقل في فهم خطواته، ثم تتعجب بعد ذلك من متانته وصموده بالرغم من رقته وخفته!! إن هذه الحشرة الصغيرة تنسج خيوطها بصورة تختلف كل مرة مع الوضع الذي تجد نفسها فيه، وبيوتها مصنوعة بدقة متناهية تأخذ بالألباب، ذلك أنها تتقيد بالمسافات البينية، وتراعي انفراج الزوايا في شكل هندسي رائع عبر نسيج من الحرير يبلغ قطره ثلاثة أعشار الميكرون(4)، وهو أدق وأرق وأخف وأمتن من حرير دودة القز، ويخرج من مغازل العنكبوت التي فيها عدد كبير من الأنابيب الغازلة قد يصل في بعض العناكب إلى ألف أنبوب؟! ونظرًا لأنه أدق خيط عرف في تاريخ البشرية فإنه يُعَدّ حاليٌّا للاستخدام في صنع الأجهزة البصرية وخياطة جراحاتها.
    وتضرب لنا أسراب الطيور المهاجرة مثالاً فريدًا آخر لا يقل بهجة وروعة عن ذكاء تلك الغرائز التي ركبها الله ـ تعالى ـ في هذه الطيور، ذلك أنها تبدأ في هجرتها الجماعية عندما تستشعر اقتراب موسم البرد ـ وبخاصة طائر السنونو ـ فتبدأ هذه الطيور رحلتها الطويلة من البلاد الباردة إلى البلاد الحارة على هيئة أسراب جماعية تحلّق معًا في السماء، وقد تقطع في غالب الأحيان نحو ألف ميل فوق عرض البحار، ولكنها مع ذلك لا تضلّ طريقها أبدًا مهما كانت قسوة الظروف الجوية، بل إن طائر السنونو يحركه شعور خفي بضرورة هذه الهجرة، ويلازمه ذلك الشعور حتى عندما يُحبَس في مكان دافئ في موسم هجرته المعتاد، وكأن هناك دافعًا من الداخل يشعره باقتراب موسم البرد.
    ولله في كل مخلوقاته دليل على وحدانيته وكمالاته سبحانه ومن ذلك التأمل في سلوك الحيوانات وغرائزها العجيبة التي تبعث على الدهشة والانبهار، وتوقظ العقل من غفلته ليتأمل قدرة الله ـ تعالى ـ في هذا العالم البديع ومما يبعث على الدهشة أن يجد الباحث انحرافًا خطيرًا في التفسيرات المادية لهذه الغرائز الباهرة التي أودعها الله تعالى في هذه المخلوقات المسبحة له، الساجدة بين يديه، إلا أن يكون تفسيرًا ملحدًا يغطي حقائق الوجود، ويأبى الخضوع لباعث الفطرة، وشاهد الكون العظيم.
    وفي هذا المقال نتجوّل في سياحة إيمانية داخل هذا العالم البديع لنستخرج دلائل الوحدانية المشرقة في سلوك هذه الكائنات وغرائزها العجيبة.


      الوقت/التاريخ الآن هو 2018-11-17, 2:35 pm